محمد بن جرير الطبري

399

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة ، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل . فإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه . غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر ، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك ، وذلك قوله : ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ) الآية . وأما قوله : " بعضهم أولياء بعض " ، فإنه عنى بذلك : أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين ، ويد واحدة على جميعهم = وأن النصارى كذلك ، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم = معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين : أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا ، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين ، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب . فقال تعالى ذكره للمؤمنين : فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض ، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب ، وبعضهم لبعض أولياء ، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ ، ومنهم البراءة ، وأبان قطع وَلايتهم . ( 1 ) * * *

--> ( 1 ) انظر تفسير " ولي " و " أولياء " فيما سلف 9 : 319 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .